ان تظهر مسألة – أو في بعض الاحيان- مشكلة الهوية في حياة الإنسان هي – في رأيي المتواضع – من الأمور المسلم بها . فهي ظاهرة بشرية موجودة  منذ قديم الازل و إن  اختلفت في  هيئاتها و اشكالها  المتعددة مع  اختلاف  اهواء  و اهتمامات المجتمع في ذلك الزمان و المكان . قد تجد مثلا من  يعتز بأنتمائه إلى شريحة أو طبقة معينة في المجتمع أو الاعتزاز بالهوية الجنسية أو الذي يفخر كونه مواطن في دولة دون غيرها أو كونه من  جنس  أو عرق بعينه  دونا عن كل  الأعراق الأخرى التي خلقها الله “برضه” أو الذي يفخر  بهويته  الدينية أو ..أو .وإن كنت اميل إلى تصنيف الدين على أنه منهج حياة وليس فقط هوية ليعتز الانسان  بها أو ليزيين بها بطاقته الشخصية.

يبدأ السؤال هل مسألة البحث عن هوية والتشبث اللامنطقي بها في  بعض الاحيان هو ميل طبيعي في النفس البشرية برمجنا عليه منذ ان  خلقنا ام أنه من صنع الإنسان, صنعه ليميز به نفسه عن غيره من البشرأو لإحساس الانتماء إلى نخبة من الناس.أم أنه خليط من الإثنين. قد أميل أنا شخصيا إلى الاختيار الثالث. يدلنا هذا السؤال إلى آخر وهو في العادة هل يسعى الانسان إلى تعريف نفسه وذاته بمنطلق ومفهوم هوية واحدة ام خليط هويات متعددة بمعنى إذا  كان  الانسان  ينتمي  إلى عرق معيَّن وبلد معينة هل يتشبث الانسان بهوية واحدة من الاثنان(أي العرق أو البلد)ام الاثنان معا و إن كانا معا فلمن منهم  الأولوية في حال التصادم , العرق ام البلد.و ماذا عن التصادم بين أفكار  واراء من ينتمون إلى هويات متناقضة في نطاق ولكن يتشاركون الهوية في نطاق آخر.

قد يدعو البعض إلى  التخلي التام وعدم التقييد بأي هوية معللين بذلك الشرور القادمة من تصادم الأفكار بسبب  الهوية مما يؤدي في نهاية المطاف إلى الاحتكاكات  و المشاحنات في أثوابهما المتعددة. ولكن دعونا  نتأمل الحال إذا تجرد البشر من كل هوياتهم, الن يؤدي هذا إلى نوع من الفراغ النفسي و الروحي في الانسان و فراغ الثقافة و الفن في المجتمع  مما يؤدي في نهاية المطاف  إلى مجتمع هش هزيل سهل الانقياد. فلنتخيل مثلا وجود مجتمع  يتميز عن نظرائه بقوته السياسية و الاقتصادية, الن يتسبب  انعدام  الهوية أو قلة اهتمام  أفراد المجتمعات الأخرى بالهوية  بالتأثر بقيم و مباديء و هوية المجتمع القوي و اندثار هويات المجتمعات الأخرى. قاضية بذالك على عنصرين اساسيين في معادلة تقدم وتطور البشرية الا وهما التنوع والتعددية.

قد يدعو البعض الاخر إلى التمسك بالهويات خوفا من ان يحدث ما ذكر سابقا. مما يرجع بنا إلى نفس نقطة البداية وهي تعريف الذات  بـهويات تنتمي إلى نطاقات مختلفة ولكنها متداخلة ومتلاحمة لتشاركها نفس الفضاء(وهم البشر) .ما نحن بفاعلين في مشكلة التصادمات بينهم ؟ ربما يجد البعض الاجابة  عن هذا السؤال في سؤال اخر وهو لماذا يشتهي  الانسان الاهتمام و الاعتزاز بشيء ليس له يد فيه و لا  يملك ان يغيره؟ فمثلا ليس لأي مخلوق القدرة على اختيار  أو تَغيير البلد التي ولد بها أو العرق الذي ينتمي اليه أو لون البشرة التي يمتلكها. حتى البلدان و الانتماء الوطني إلى الدولة الذي يعتبره البعض فوق كل شيء يتغير مع  تغيير الأزمنة وتغيير الحدود الافتراضية بين البلدان فليس هو أبدا بـثابت. أبسط مثال هي بلدان الشرق الاوسط التي جاء الاستعمار الغربي ليرسم لها حدود هلامية الملامح مستقيمة مصطنعة ,لا تهتم ولا تراعي تمازج واختلاط الحضارات في  المنطقة, تاركين وارأهم حروب و منازعات على المقاطعات و الموارد بين البلدان المجاورة كل منهم يدعي ويؤمن انها ملكه في حين  ان  الحدود التي تحددهم وترسم  هويتهم وتحدد سيادتهم في المنطقة, حددت عن طريق طرف ثالث لم يخصهم في قراراته. لماذا إذًاهذه القدسية في التعامل مع حدود افتراضية لم تكون في الوجود منذ مائة سنة فقط؟

المشكلة تبدا بتحويل الهوية إلى كارت أوتوماتيكي للتفوق والتمتع  بـامتيازات دونا عن الاخرين بمجرد الانتماء إلى هذا “النادي الحصري” مما  يؤدي في معظم الاحيان إلى التعصب و العنصرية والكراهية المتبادلة. المشكلة لا تكمن في  ان تفخر أو تهتمم بهويتك مهما كانت ولكن  تكمن في مطالبة الاخرين لك بـالاعتزاز بهذه الهوية فقط  لاغير و التخلي عن كل الهويات الأخرى التي تتقاسم رسم ملامح شخصيتك بل و أيضًا التعامل مع الاخرين من منطلق انهم أقَل منك حظا لعدم انتماءهم لنفس الهوية و التعالي عليهم على هذا الاساس. الحقيقة هي اننا في نهاية المطاف ننتمي إلى هويات مختلفة فـمن الممكن ان تكون  مصري عربي افريقي نسوي. الحقيقة أيضًا انك تتحكم في زمام الأمور فمن الممكن ان تهتم وتتحدد بهوية واحدة وتتجاهل الهويات الأخرى أو تهتم بـجزئية من الهويات وتتجاهل الجزئية الأخرى أو تختار التحرر من كل الهويات, وإن كنت اتصور ان هذا غير ممكن, فكل شخص يسعى للانتماء إلى شيء وبالتالي يعرف نفسه على أساس هذا  الانتماء, فحتى  الانتماء إلى مشجعي نادي كروي في حد ذاته هوية . الأهمية تكمن في ان لا تعزل نفسك من الاناس الذين لا ينتموا إلى نفس الهوية أو تحصر نفسك مع من يشاركك إياها فتلغي عقلك ولا تتفكر الأمور من منطلق محايد  وتتحول إلى فرد مبهم الملامح في القطيع لا يقوى على التمييز و إتخاذ القرارات و تكوين الاراء من تلقاء نفسه.

  ملاحظة : اعذروني إذا صادفتكم جمل ركيكة ليس لها معنى, فهويتي العربية “نأحت عليا” وخوفي من تغلغل اللغة الانجليزية لتستبدل اللغة العربية دفعني إلى التصدي لها بكتابة هذه التدوينة باللغة العربية حتى وإن ملؤها اخطاء املائية لا تغتفر. فشكرا على حسن تعاونكم معنا.

Advertisements