من  عدة أيام جلست اتفكر مفهوم الوطنية في حلقة من مسلسل صراع دائم و محاولات بائسة مني في  احتواء  و ترويض هذا المفهوم المتشعب باشكاله المختلفة. فوجدتني محتارة تارة بين رفضي الشديد لما ينسب في كثير من الحالات للوطنية من ابتذال و شعارات رنانة تخلو من أي مشاعر حقيقية و تهوى في مواجهة أي  إختبار حقيقي, بل و تستخدم في بعض الأحيان كمسكن لألام الشعوب لأغراض سياسية كانت أو اجتماعية, و تارة اخرى أذكر نفسي بأن حب الوطن دافع عاطفي حقيقي و قوي لا يمكن الاستغناء عنه أو الإستخفاف به. قد يكون هذا الدافع بسبب الفطرة أو نتاج سنوات عديدة من غرس مفاهيم الوطنية و القومية عن طريق البيئة المحاطة. ولكن دعونا من المناقشات و المهاترات البيزنطية, ليس المهم الان مناقشة فكرة الوطنية من ناحية نظرية فلسفية ايديولوجيا بحتة, أو مناقشة فكرة التمسك  أو  التحرر منها. هذه المسألة و إن كانت مهمة هي ليست  بأهمية تحليل مفهوم الوطنية العملي و ترجماته المختلفة إلى أراء و أفعال على أرض الواقع , تؤثر و تتأثر بالمجتمع. فتطور و تحول مفهوم الوطنية في المجتمعات و اضافة بعض الأفعال و الأراء تحت مظلة الوطنية هو في رأيي مسألة أكثر إلحاحا.

في رحلة البحث عن تعريف وفي للافعال والمفاهيم الوطنية, قد نجد الالهام في بعض الافعال التي قد تنتج من شخص أو فرد  وضع في ظروف  تحتم عليه التصرف و التصدي بطريقة أو بأخرى للدفاع عن الوطن. مثل الدفاع عن البلد في حالة الحرب, أو التصدي لحاكم ظالم و حكومة جائرة بالتظاهر, أو الجهر بالحق و العمل على نشر الحقائق في بيئة مغايرة لذلك, أو استخدام الفرد منصبه كمنبر للتصدي لأي تجاوزت ايا كانت, أو أو… كل هذه امثلة عن وطنية نشطة تحتم على الفرد استثمار وقت و مجهود  و و التضحية بمصلحة الذات بل و تعريض النفس للخطر في فدا الوطن و الشعب (من منظوره طبعا).

و لكن لتعريف أكثر شمولية للافعال والمفاهيم الوطنية يجب اضافة الأفعال البسيطة كأداء العمل على اكمل وجه و التعامل مع أفراد المجتمع بطريقة حضارية . فتقبل الاخر و الاعتراف به كمواطن و فرد في  المجتمع له نفس  الحقوق و الواجبات اتجاه الوطن  في  حد ذاته وطنية. انتقاد أي ظاهرة سلبية في المجتمع و المحاولة لتصحيح الوضع وطنية, مع بعض الضوابط كأن لا يكون الانتقاد فقط لمجرد الانتقاد, أو ان محاولة التغير  تكون  عبر سبل غير  قانونية أو عبر فرض القيم الفردية على بقية المجتمع(موضوع اخر شائك, خلينا دلوقتي في اللي احنا فيه).

المشكلة تكمن في تحول بعض المفاهيم و الافعال المغلوطة الغير بناءة إلى مفاهيم و أفعال تتسم بالوطنية و مقبولة اجتماعيا فيشيد بها المجتمع بل و يمتدح فاعلها و يذم تاركها. فتتغير الافعال ذو الصبغة “الوطنية” المصطنعة   وتتشكل و تتلون مثلها كمثل الصلصال تماشيا مع مصالح الأفراد الشخصية وتحيزاتهم الفكرية حتى و إن كانت تتسم بخاصية الإجحاف أو السطحية في بعض الاحيان. مؤخرا لاقتني مجموعة من  النماذج لهذه الافعال السلبية التي قد تبدو “وطنية” لاول وهلة و لكنها لا تمت للوطنية بصلة بل تكاد تكون هادمة و مضادة للوطنية والمصلحة القومية للبلد ,و منها:

حامي حمى البلد:

كلنا قابلنا هذا الشخص الذي ما ان تبدأ, في حسن نية, في  طرح المشاكل التي  يواجهها المجتمع إلا و تجد نفسك  في صدد وابل من الاتهامات حتى و إن كانت ضمنية. فانت إن لم تسبح بحمد كل ما هو رائع  وجميل في البلد فانت بلا شك جاسوس. كاره و حاسد للوطن و الوطنية. معقد نفسيا تسعى في احداث البلبلة. فمهما شرحت  له انك لا تسعى لغير المصلحة العامة للمجتمع و ان تفحص المجتمع من خلال عدسة ناقدة من الادوات التي تستخدمها الشعوب المتقدمة للإرتقاء إلى مجتمع أفضل, ستقابل بـنوبة دفاع  لاارادي مستميت عن حتى ما هو سلبي و هادم في البلد أو البحث  عن مبررات فارغة لتلك الظواهر السلبية.

:المزايدة و لعبة “مين فينا بيحب البلد أكتر”

في الاونة الاخيرة بدأت حلقة مفرغة من المزايدة لا أرى لها نهاية في المستقبل القريب. فرغم ان المزايدة موجودة منذ زمن و لكني أرى انها اتخذت مسار\بعد جديد في الاونة الاخيرة فاصبحت تناطح لعبة كرة القدم كرياضة قومية أولى يشترك بها كل اطياف المجتمع. فمنذ ان اصدر الرئيس محمد مرسي الإعلان الدستوري الاخير و الشعب المصري منقسم بين مؤيد و معارض للقرار و هو شيء منطقي و متوقع في أجواء أي  حياة سياسية ديمقراطية بل مؤشر صحي لتقدم الحياة السياسية في الإتجاه الصحيح. و لكن المشكلة تبدأ في المزايدة الوطنية و الشك في  دوافع الاخر. ففريق يتهم الاخر ان انتمائهم الاول و الاخير لجماعات سياسية متجاهلين بذلك مصلحة البلد ككل بل و يصل الامر إلى وصفهم بالرجعيين المتأسلمين “الخرفان” لمجرد انتمائهم إلى هذا الحزب السياسي أو ذاك . و الاخر يتهم الاول بالاناركية الليبرالية الكافرة علمانية الملامح وفلولية الشكل .و يستمر مسلسل التنفير و الذم و التسميات القبيحة التي يطلقها كل حزب سياسي على الاخر إلى اجل غير مسمى.

:العنصرية الممنهجة

أنا عندي حساسية خاصة من هذه النوعية من الوطنية. و لكن للاسف تكاد لا تمر أي جلسة سواء كانت مع مجموعة من الاصدقاء أو الاقارب الا و لاقتني جملة من نوعية “احنا أحسن من دول الخليج أو “احنا أحسن من الدول الافريقية” أو “احنا أحسن من الغرب”  بل و لا ينتهي الامر عند ذلك فتجد العلامة الذي اتحفنا بإستنتجاته حول سمونا فوق باقي الشعوب يستكمل بأدلة تدعم ادعاءاته على نحو “أصل الأفارقة مش متحضرين زينا” أو “أصل الغرب معندهمش لا دين ولا ملة ولا اخلاق” أو “أصلا الخليج معندهمش تاريخ زينا و اساتذتنا هم اللي علموهم  ” فلا يسعك الا ان تقلب كفيك في صمت و يجتاحك الحزن و الحسرة فتتسأل متى تحول مفهوم الوطنية من التضحية و حب الوطن السامي إلى مرض التعالي المزمن؟

:طقوس و اشعار في مواسم

من النماذج الموجودة أيضًا اختزال الوطنية إلى مجموعة من  الطقوس و العادات الاجتماعية. مثل موسم سماع الاغاني الوطنية في أيام الاعياد الوطنية, فتجد شيرين في قناة تسألك “مشربتش من نيلها طب جربت تغنيلها” فيرد عليها  محمد ثروت بحماس “عاشت بلادنا ..عاشت حرة لولادنا” في قناة اخرى. أو على سبيل المثال طقوس شراء الاعلام من الباعة المتجولين و الذهاب  لتشجيع المتخب الوطني في حال مباراة دولية عن طريق الاناشيد المحفوظة بين شباب مشجعي الأندية الكروية و اضافة بعض اللمسات المتميزة مثل ذم الفريق  المنافس. فينتهي مفهوم البعض عن الوطنية عند هذا الحد, وتتقلص الوطنية إلى مجرد أفعال براجمتيكية بحتة لا نتأملها, تكون غرضها في معظم الاحيان  الترفيه و كسر الروتين اليومي

:سيندروم التقوقع

هو مبدأ الاكتفاء بالثقافة المحلية فقط و الارتكاز و الانغماس الكلي فيها بل و ابداء عدم الرغبة و عدم المحاولة لفهم  و تقبل ثقافة الغير من الشعوب و البلاد المحيطة حتى من منطلق الفضول .وقد يتطور الامر في بعض الاحيان إلى السخرية بالهمز و اللمز من  كل ما هو غريب  أو خارج عن المألوف. حقيقة لا ادري إن  كان هذا ناتج من الخوف من ثقافة الاخر الغير مألوفة لنا بعكس الاحساس بالالفة تجاه كل ما هو محلي. ام أنه إحساس بتفوق الثقافة المحلية بالمقارنة بـالثقافات الأخرى

الحقيقة انني لا أجد تعريف محدد و واضح للوطنية. و الحقيقة أيضًا انني لا اعرف إذا ما كانت الهوية الوطنية و الانتماء إلى الوطن نتاج الحب الذي نكنه لاهلنا و اقاربنا و اصدقائنا و ذكريات الطفولة السعيدة المرتبطة اوتوماتيكيا بالوطن ام أن حب الوطن كيان اخر قائم بذاته و له خصائصه. بالتالي ليس لي ان ادعي معرفة كل  الافعال و المفاهيم التي قد تندرج تحت مفهوم الوطنية. هي ايضا ليست بالشيء الثابت المتفق عليه, فيختلف التعريف مع اختلاف خلفيات و تجارب الاشخاص. لكن لنا ان نتفق على سلبية بعض الافعال مثل التي اشرنا لها سابقا. فان كانت تؤثر سلبا على المجتمع كحالة الاستقطاب التي يعيشها الشعب المصري الان نتيجة للعبة المزايدة. أو إذا  كان سيندروم التقوقع أو العنصرية الممنهجة المسبب الرئيسي لعلاقات شبه منعدمة مع دول حوض النيل,  أو علاقات تشوبها التذبذب مع الدول المحيطة, فلنا بكل ثقة ان نرفض و نشطب تلك المفاهيم و الافعال  تحت أي مسمى كانت.

Advertisements